تُظهر الصورة تأثير التعليم والمجتمع على الصورة المستقبلية

التعليم والمجتمع: نظرة مستقبلية نحو القرن الحادي والعشرين

أ‌. د/ صالح بن عبدالعزيز النصار
كلية التربية/ جامعة الملك سعود

تمهيد:

في الوقت الذي كنت أعد فيه العدة لكتابة ورقة عمل تسهم في إثراء محاور المؤتمر العلمي الدولي الأول لكلية التربية بجامعة المنصورة بعنوان: “رؤية استشرافية لمستقبل التعليم في مصر والعالم العربي في ضوء التغيرات المجتمعية المعاصرة” تذكرت مبحثا يدور حول هذا الموضوع بعنوان: “التعليم والمجتمع: نظرة مستقبلية نحو القرن الحادي والعشرين” لمؤلفه “دون ديفيز”، وقد ورد ثانياً ضمن أربعة عشر فصلاً تنتظم في كتاب بعنوان: “التعليم والعالم العربي: تحديات الألفية الثالثة“، الذي صدر عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، في العام 2000م. وبالعودة إلى ذلك البحث ألفيته غنياً بالأفكار والرؤى التي تصب في هدف المؤتمر وتخدم محاوره بشكل مباشر. لذا، فقد رأيت أنه من الأفضل تركيز الجهد على التقديم لأهم الأفكار الواردة في ذلك البحث بشكل يتيح للباحثين والمسؤولين عن التعليم في الوطن العربي إمكانية ترجمة بعض الأفكار والرؤى إلى حقائق عملية تسهم في تطور التربية والتعليم، وجعل المدرسة والجامعة وسيلة لإعداد الطلاب لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين وعلى رأسها التحديات الاقتصادية والاجتماعية.

عرض البحث:
تنطلق الرسالة الرئيسة للباحث “دون ديفيز” من مفهوم مفاده أن الأسر والمدارس والمجتمعات -التي تعد الوحدات الاجتماعية الأساسية والأكثر فاعلية- لها تأثيرات ومسؤوليات متداخلة فيما يتعلق بتنشئة الأطفال وتعليمهم. وفي هذا الإطار تصبح الأسرة هي المؤسسة الأساسية التي ينشأ فيها الطفل، وتتشكل شخصيته، ويتم إعداده فيها لدور مستقل في الحياة. وبصرف النظر عن حجمها أو تركيبتها، فإن مسؤولية الأسرة الأولى هي حماية أطفالها ورعاية صحتهم وتعليمهم. ولابد من أن يلقي المجتمع بهذه الواجبات على عاتق الأسرة. غير أن الأسرة تحتاج عادة إلى المساعدة، ورغم أن بعض الأسر تكافح أكثر من غيرها، فإن كل الأسر في يومنا هذا تحتاج في وقت ما إلى الدعم من المجتمع والمدرسة.
وبالمثل فإن المسؤولية الملقاة على عاتق المدرسة -المتمثلة في تعليم أطفال المجتمع وتأهليهم اجتماعياً- محورية. والمدرسة مسؤولة كل المسؤولية عن هذا الواجب، ولكنها لن تستطيع أن تتولى هذه المهمة وحدها. فهي بحاجة إلى مساعدة الأسر ودعمها من ناحية، وهيئات المجتمع ومؤسساته من ناحية أخرى، بما فيها المؤسسات الدينية.
أما الجماعات، فيقع على عاتقها توفير بيئة آمنة وخاضعة للنظام، يمكن فيها للأسر والأطفال أن يلبوا احتياجاتهم الأساسية، وللمدارس أن تنمو وتنجح. ويقدم المجتمع لمواطنيه الحماية، والعمل، والترفيه، والصحة، والخدمات الاجتماعية والبيئية، الملائمة للثقافة المدنية القويمة، وذلك من خلال مؤسساته الحكومية والعامة والخاصة، ومن خلال موظفي الهيئات الدينية والمدنية والمؤسسات الثقافية والاجتماعية. كما يتحمل المجتمع ممثلاً في جميع أطرافه المسؤولية أمام مواطنيه فيما يتعلق بوفائه بالتزاماته نحو الأطفال وأسرهم. غير أن الجماعات بحاجة إلى مساعدة الهيئات التربوية المنتجة، والمواطنين المساهمين في دعم المصلحة العامة الذين يمثلون أولياء أمور مدركين للمسؤولية ومتعلمين وديمقراطيين.
وبعد هذا المدخل، قدم “ديفيز” للحديث عن التعليم الذي سيحتاجه المجتمع في القرن الحادي والعشرين بمقدمة أشار فيها إلى التحديات القادمة، وكيفية مواجهتها، موضحاً أن التعليم أداة قوية للمحافظة على الوضع القائم أكثر منه عامل تغيير، وأنه يعكس مجريات الأمور أكثر من أن يشكلها. وفي رأييه، فإن التربويين يغالون عادة في الحديث عن إمكانات التعليم، مهملين حقيقة أن التعليم ليس إلا عنصراً واحداً من بين عوامل مختلفة، سواء منها الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية أو الدينية أو العسكرية أو الجغرافية. وعادة ما نتناسى (والحديث للمؤلف) أن في وسع المجتمع أن يستخدم المدرسة وغيرها من الوسائل التربوية لأغراض عدائية أو غير إنسانية؛ ومن الأمثلة الواضحة على ذلك التعليم في ألمانيا النازية، وفي الاتحاد السوفيتي، وفي الحقبة الستالينية. كما أن في وسع المجتمعات أن تستخدم التعليم لبناء الجسور بين جماعات مختلفة ضمن المجتمع، أو لبناء حواجز عالية فيما بينها.
وقد جعل المؤلف هذه المقدمة باباً للتنويه إلى أهم التحديات الواسعة التي يمكن أن تجذب اهتمام التربويين والقياديين الآخرين عبر الحدود الثقافية والوطنية، ويقصد بها التحديات التي لها انعكاسات عالمية. 

ومن بين هذه التحديات:

      • التغير السريع
        من أهم التحديات الطاغية في القرن الحادي والعشرين يأتي التكيف مع التغيرات المتواصلة والسريعة، اجتماعياً، واقتصادياً وسياسياً وتقنياً. كما أنه من غير المرجح أن تتباطأ وتيرة التغيرات السريعة التي شهدناها في القرن العشرين، وستبقى تفرض ضغوطاً متزايدة على الأفراد والمؤسسات. إن المهارة والمعرفة اللازمة للتوافق مع التغيرات السريعة ضرورية ليس للقيادة النخبوية في المجتمع فحسب، بل للعامة جمعاء، كما أن الحاجة إلى تعليم يفوق التعليم الأكاديمي والذهني أمر بارز في هذا التحدي.
        ويكون للضغوط النفسية والعاطفية آثار مدمرة أحياناً؛ فالتغيرات السريعة من المؤكد أنها تساهم في تفاقم تأثير مثل هذه الضغوط في العديدين منا. وسيكون التوصل إلى طرق فعالة لمساعدة الناس على التعامل مع التغيرات، والحد من التوتر، تحدياً هائلاً أمام التربويين وعلماء النفس والأطباء والقياديين الدينيين. ولن تكون الإجابة عن ذلك في الكتب المدرسية أو المناهج الدراسية النموذجية. أما التعليم فإنه قادر –إذا قام على مفهوم المشاركة- على مساعدة المجتمعات على مجابهة هذه التحديات. كما ستكون للمهارات الشخصية المتقدمة والمشاركة الوجدانية أهمية حيوية عند التعامل مع الضغوط الناشئة عن التغيرات السريعة.

    ومن التحديات الأخرى التي ذكرها الباحث اللحاق بالعلوم والتقنية، ودور المجتمع في تمهيد السبل أمام فهمنا وتنظيمنا الإنساني والاجتماعي للحاق بالإنجازات العلمية والتقنية، مشدداً في الوقت نفسه على عدم تمجيد المعرفة والتقنية الجديدة بحد ذاتهما على حساب منافعها الإيجابية والإنسانية المتساوية. كما تطرق المؤلف إلى تحد آخر غير ملموس أو غير مادي، ألا وهو تفضيل الاستقامة على تعظيم المكانة الذاتية، وتفضيل السمعة الطيبة على الجشع والطمع. وتشمل الاستقامة الأمانة كما نراها يوم، وعدم الإخلال بالتعهدات والالتزامات، والسلوك الأخلاقي المستقيم، والرغبة في أن يعيش المرء ملتزماً على الدوام بالمبادئ التي يؤمن بها مراعياً أثر أفعاله على الآخرين.
    ومن أجل التصدي لهذه التحديات وغيرها أشار “ديفيز” إلى أنه يتعين على مجتمعات العالم أن تعيد إحياء مؤسساتها وحكوماتها، كما يتعين عليها أن تعزز الحياة المجتمعية. ولعل التعليم أحد طرق تحقيق ذلك. أما المشاركة فيجب أن تكون موضوعا تربويا رئيسيا على المستويات المختلفة كافة.

    وفي رأي المؤلف، فإن الخطوة المهمة الأولى التي يتعين على الحكومات أن تتخذها، هي أن توفر الأموال والمرافق الضرورية لنظام التعليم العام الذي يبدأ بالصغار في مرحلة مبكرة من أعمارها ويمتد إلى الكبار. أما نظام التعليم العام الخاضع لتوسعات وإصلاحات فيجب أن يكون محوره مدارس ابتدائية وثانوية فعالة. ولن يتحقق ذلك إلا بتكلفة مادية معينة، إذ إن ذلك يعني دفع رواتب مجزية إلى الحد الذي يجذب المعلمين والمعلمات ممن يتمتعون بقدرات فكرية واجتماعية فائقة من الطراز الأول، وذلك في ظل المنافسة القائمة مع الوظائف ذات المكانة المميزة، مثل القانون والطب والهندسة. كما يعني ذلك تدريب المعلمين والإداريين تدريبا فعالا، وتحمل نفقات توفير التقنية في المدارس، والتي لا تقل تقريباً عن مستوى التقنية التي تطلبها المؤسسات المصرفية والتجارية.

    تعليم فعال لمجابهة التحديات

    لقد تساءل المؤلف عن نوع التعليم الذي سيحتاجه المجتمع في القرن الحادي والعشرين، مشدداً على أن الطريق لمجابهة التحديات يبدأ من أن يكون للتعليم في كل مستوياته تأثير كبير في الطلبة؛ أي يجب أن يكون التعليم فعالاً. والتعليم الفعّال الذي يمكن مجتمعا ما من مجابهة التحديات المقبلة يجب أن يقوم على ثلاث قضايا رئيسية، يمكن إيجازها تحت ثلاثة مسميات: تكافؤ الفرص، ومراعاة الفروق الفردية، والصفة الإنسانية.
    ففي موضوع تكافؤ الفرص، بيّن المؤلف أن من الأهداف المجتمعية المهمة هو خلق نظام تعليمي فعال للطلبة كافة، على أن يشمل ذلك الطلبة الأقل حظا من الناحية الاقتصادية، وعلى مساعدة الطلبة كافة على تحقيق مستويات عليا من التحصيل الأكاديمي. وفي هذا السياق تحمل الحكومات –بوصفها تمثل مجتمعاتها- على عاتقها التزاما خاصا هو تعزيز المساواة في فرص التعليم، وتحقيق مصالح الضعفاء مثلما تحقق مصالح الأقوياء.
    أما فيما يتعلق بالفروق الفردية فيتعين على التربويين في المستويات المختلفة أن يضعوا خطة للمناهج والبرامج يمكن أن تراعي أفضل ما يمكن مراعاته من الفروق الفردية في طريقة تعلم الأطفال والطلبة من الأعمار كافة، وكذلك الفروق الفردية في اهتماماتهم ومواهبهم وحوافزهم وثقافاتهم. كما أن من واجبات المجتمع الرئيسية أن يدعم التدخلات التربوية المصمّمَة لتلبية اهتمامات أفراد المجتمع واحتياجاتهم على اختلافهم. ومن أجل تحقيق ذلك فان هناك حاجة ملحة لخلق طرق جديدة خاصة بالمناهج والتدريس على حد سواء.
    وأما فيما يتعلق بالصفة الإنسانية، فإن على التربويين أن يدركوا أن الإنجازات الأكاديمية والأنشطة الفكرية في التعليم لا يمكن فصلها بأي شكل من الأشكال عن التطورات الاجتماعية والعاطفية والأخلاقية. إذ يحتاج الطلبة من صغار وكبار إلى تنشئة شخصية وعاطفية، فضلا عن الدعم والمعرفة والانضباط، فالطلبة المتعلمون ليسوا مجرد أوعية فكرية تُحشى بالمادة الأكاديمية التي يتم تدريسها. إن أحد الأهداف الأساسية للمجتمع في توفيره للتعليم هو تعزيز وتطوير القدرات البشرية لجميع أفراد المجتمع. كما أنه سيكون من الضروريات الملحة في القرن الحادي والعشرين مواجهة عملية نزع الصفة الشخصية عن المجتمع، مما يهدد مؤسساته كلها. وقد نقل المؤلف تأكيد “عبد الحليم أحمد” من ماليزيا على هذه القضية عندما قال: “في الوقت الذي نتحدث فيه عن التعليم والتصنيع والتقدم، فإن علينا أن نركز على حاجة البشرية المتزايدة إلى المحافظة على القيم الروحية والأخلاقية. إننا بحاجة إلى “الكائن البشري بأكمله” ؛ لسنا بحاجة إلى إنسان آلي أو آلة. إن الإسلام يركز على سعادة البشرية بأكملها، وعلى رفاهية المجتمع، وهذا ما يتعين على نظامنا التعليمي أن يهدف إلى تحقيقه”.

    ما الذي يتعين على التربويين وقادة المجتمع فعله؟

    في الجزء التالي من بحثه، حاول “ديفيز” الإجابة عن السؤالين التاليين: ما الذي يتعين على التربية والتربويين فعله من أجل مساعدة المجتمع على مجابهة تحديات القرن الحادي والعشرين؟ وما الذي يتعين على قادة المجتمع فعله من أجل جعل التعليم يساهم مساهمة فعالة في مواجهة هذه التحديات؟ وفي ضوء ذلك عرض ” ديفيز” خمس استراتيجيات يمكن أن تكون مفيدة للتربويين والأسر وصانعي السياسية العامة. فبعد أن استعرض الدور الرئيس للمدارس العامة، مستشهداً بأمثلة من الولايات المتحدة الأمريكية، بيّن أن العالم العربي يشترك والولايات المتحدة الأمريكية – رغم العديد من الاختلافات والخلافات فيما بينهما – في التزامهما الوثيق بالتعلم والتعليم. ويعود ذلك في أصوله إلى بدايات الإسلام في حالة العالم العربي؛ أما في حالة الولايات المتحدة الأمريكية فإن ذلك يعود إلى حقبة التنوير في أوربا في القرن الثامن عشر. وقد نقل عن باحثين آخرين تأكيدهما على أن التعليم كان القوة الأكثر فاعلية في العالم العربي خلال القرن العشرين فيما يتعلق بدعم الاستقلال السياسي، وإعادة بناء الموارد البشرية والمجتمع، وفي خلق الهوية الوطنية.

        1. مجتمعات التعلم
          تحت هذا العنوان، نقل المؤلف إشارة “جون آبوت” إلى أن المجتمعات الناجحة في القرن الحادي والعشرين سوف تقوم فيها مجتمعات تعلم تتفق مع حاجات البيئة الاجتماعية والاقتصادية المتغيرة بشكل متواصل. ويعرف “أبوت” مجتمعات التعلم على النحو التالي : ” هي المجتمعات التي تستعمل كل مواردها؛ المادية والفكرية، النظامية وغير النظامية، في المدرسة وخارج المدرسة، وذلك وفقا لجداول عمل يدرك قدرة كل فرد على النمو والاشتراك مع الآخرين”.
          ثم أسهب المؤلف في الحديث عن مجتمعات التعلم مبيناً أن شكل النظام التعليمي الشامل الذي تحتاجه مجتمعات القرن الحادي والعشرين سوف يظهر العديد من الصفات التالية:
          –  سوف يتاح التعليم لجميع السكان، من السنوات المبكرة وحتى السنوات المتأخرة، بصرف النظر عن ثروتهم أو وضعهم الاجتماعي.
          –  سوف تصبح الشركات الكبيرة والصغيرة مشاركة مع المدارس ومع المناطق التعليمية ؛ كأن توفر الخبرات المطلوبة، والمشورة، والمتطوعين، والتجهيزات والأموال اللازمة. أما المدارس وموظفوها فسوف يشتركون في برامج تدريبية ومشروعات مهنية لتسهيل الانتقال من المدرسة إلى العمل، من خلال استغلال اهتمامات الطلبة المهنية لحفز اهتماماتهم الأكاديمية ودفعهم إلى النجاح، ومحاولة إعطاء الصغار دفعة قوية للنجاح في حياتهم العملية.
          –  سوف تقوم المدارس والهيئات والمؤسسات المجتمعية بمسؤولياتها التربوية على الوجه الأكمل، سواء فيما يتعلق بتعليم الصغار أو تعليم الكبار. أما المدارس فسوف تقدم برامج تعليم المجتمع، وستبقى مبانيها ومرافقها مفتوحة لساعات ما بعد الدوام، وخلال العطلة الأسبوعية، وخلال الإجازة السنوية. وسوف تقدم مقررات تعليم أولياء الأمور علاوة على المقررات الأكاديمية والمهنية والتطويرية الذاتية والمقررات والأنشطة الترفيهية لسكان المجتمع جميعهم.
          –  سيكون للعديد من المدارس مشاركة مع الهيئات المحلية في تقديم الخدمات المجتمعية والصحية للأطفال وعائلاتهم، في المدارس وبالقرب منها أو من خلال التحويلات المالية. وسيحظى مفهوم الخدمات المرتبطة بالدراسة بأهمية خاصة في المدارس الحضرية التي تدرك أن الاحتياجات الصحية والمجتمعية للطلبة وأسرهم إذا لم تلّبَ فإنها تقلل من فرص الأطفال للنجاح أكايديما.
          –  تقدم كل المدارس والمناطق التعليمية برامج تطوعية توفر من خلالها التدريب والدعم للأفراد الذين يريدون أن يعطوا وقتهم وخبرتهم للمدارس. وتتضمن الأنشطة التطوعية تعليم الأفراد ومجموعات الطلبة، ومساعدة المعلمين في الصفوف المدرسية، والمساعدة عند تقديم وجبة الغذاء، وفي ساحة اللعب، وتقديم الخبرة العملية للإداريين، وتنسيق البرامج الخاصة بأولياء الأمور، والقاء المحاضرات، وتقديم العروض أمام الطلبة.
          –  سوف ينخرط طلبة الثانوية العامة وطلبة الجامعات في برامج خدمة المجتمع في كل مدينة وقرية تقريباً، كأن يعملوا متطوعين في مواقع مختلفة، وقد تسجل لهم أحيانا وحدات دراسية معتمدة مقابل ذلك.
          –  يقدم أرباب العمل والمؤسسات التربوية فرصاً متعددة للعمال في كافة المستويات لتعلم مهارات جديدة خاصة بعملهم الحالي؛ ولإعادة التدريب على الوظائف الجديدة التي تتطلب مهارات جديدة في الأعوام المقبلة سوف يغير معظم البالغين في الولايات المتحدة الأمريكية وظائفهم وأعمالهم مرة أو مرتين، ومن هنا تتضح أهمية الحاجة إلى توافر فرص إعادة التدريب.
          واستطرد “ديفيز” بقوله: مثلما أن الأسرة القوية هي لبنة بناء المجتمع القوي، فإن المجتمعات المحلية القوية هي القاعدة الأساسية لمجتمع قوي، موضحاً أن بناء مجتمعات محلية منتجة وفعالة هو أول متطلبات بناء “المجتمع المدني” الذي نسعى إليه في القرن الحادي والعشرين. والمجتمع المدني هو المجتمع الذي يستطيع أفراده جميعا أن يحققوا حاجاتهم الأساسية من صحة، وسكن، وتغذية، وتعليم، وأمن، وحماية من الجريمة والعنف، وأن تتوافر لهم الفرصة لحياة أسرية مستقرة، وكفاية روحية، وبيئة جميلة ونظيفة، وفرصة للعمل واللهو.
          مثل هذه المجتمعات ستضمن أن أفرادها جميعا سيكونون قادرين على تلبية احتياجاتهم الأساسية، وأن تتوافر لهم الفرصة لحياة أسرية مستقرة وممتعة، وفرصة للعمل، ووقت فراغ يلهون فيه. كما سيتوافر لهم معين لا ينضب مما يطلق عليه جيمس كولمان “رأس المال الاجتماعي” والذي يشير إلى “مواصفات المنظومة الاجتماعية، من شبكات وقيم وأنماط سلوكية وثقة تيسر التعاون والتنسيق لتحقيق المنفعة المشتركة.”
          ومن الخصائص الأخرى المميزة لتشكل الجماعات فرصة خدمة المجتمع المتاحة للشباب؛ وتبدو هذه الخدمة طريقة مفيدة لتعزيز العلاقة المتبادلة بين المجتمع والتعليم، فالشباب أنفسهم يستفيدون باكتسابهم المعرفة والمهارات والخبرة العملية. وأما الأفراد والمؤسسات المستهدفة من خدمة المجتمع فتستفيد الخبرة وتحصل على المساعدة اللازمة وتنفتح على الشباب. وتعد جهود خدمة المجتمع نوعا من المشاركة بين المجتمعات والمدارس والجامعات، و يجب أن ينظر إليها على أنها جزء من إستراتيجية شاملة لبناء المجتمع المدني.
        2.   المدارس المجتمعية
          لقد كرس “دون ديفيز” جهده في هذا البحث إلى التعريف بما يسمى “المدارس المجتمعية”. وفي هذا الصدد، بيّن أن المدارس المجتمعية يمكن أن تكون جزءاً من إستراتيجية بناء مجتمعات أكثر قوة، فالمدارس الأمريكية أضحت أكثر مهنية ومركزية في النصف الأول من القرن العشرين، وهذا جعلها أكثر عزلة عن مجتمعاتها أيضاً، كما فقد العديد من المدارس في المناطق الريفية والحضرية قوته وقيمته التي كان يتمتع بهما ذات يوم بصفتها موارد مجتمعية، وشعر الكثيرون بفقدان الصلة الشخصية مع جيرانهم ومنطقتهم.
          وقد بدأت في الولايات المتحدة الأمريكية إبان الأربعينات والخمسينيات من القرن العشرين حركة اسمها “تعليم المجتمع” لمحاولة حل تلك المشكلة؛ من خلال افتتاح مدارس للمجتمع والشباب بعد ساعات الدراسة وفي عطلة الصيف. في البداية اعتبرت الخطة طريقة لمحاربة انحراف الأحداث والضجر، ولكن سرعان ما توسعت لتتحول إلى طريقة لخدمة المصالح التعليمية والترفيهية لأفراد المجتمع من مختلف الأعمار، ولجمع الناس معاً ليعملوا على حل المشكلات المشتركة.
          وقد تم افتتاح آلاف المدارس المجتمعية في الولايات المتحدة الأمريكية، وانخرط العديد منها في نظام التعليم العام. واستبدل مصطلح ” مدرسة مجتمعية ” في العديد من المواقع وحل محله مصطلح أوسع، هو تعليم مجتمعي، وقد عرض العديد من هذه المدارس في الأساس أنشطة ترفيهية للشباب والكبار، ومقررات تعليمية تقليدية للكبار مثل اللغات الأجنبية والفنون والحرف والطباعة ومهارات الحاسوب، وبادر بعضها إلى تنظيم أفراد المجتمع بحيث يتولون مواجهة مشكلات مجتمعية مختلفة مثل الإدمان على المخدرات والجريمة. وخلال العقود الأخيرة بدا وكأن حركة المدارس المجتمعية قد بدأت تتلاشى شيئاً فشيئاً، ويبدو أن الاهتمام بهذه المدارس بدأ يطفو مرة أخرى في السنوات الأخيرة من القرن العشرين.
          وقد أشار ديفيز إلى أن هناك ثلاثة مبادئ يجب أن تشكل أساس المشاركة بين المدرسة والأسرة والمجتمع في القرن الحادي والعشرين، هي: التبادلية، والديمقراطية، والفرص المتنوعة. فالتبادلية سوف تعتمد عليها المشاركة المدرسية الناجحة في القرن الحادي والعشرين . ويعني هذا المبدأ أن الأجزاء الرئيسية من عالم الطفل – المدرسة والأسرة والمجتمع – لها مسؤوليات وسلطات خاصة بها ومتداخلة فيما يتعلق بتعلم الطفل وتطوره. وتعني التبادلية أيضاً قيام علاقة واضحة، والتزامات مشتركة بين المدارس والأسر ومؤسسات المجتمع ومنظماته. فعالم الطفل له جوانبه المختلفة التي يجب أن يتوافق بعضها مع بعض، وتقبل التزاماتها المنفصلة والمشتركة، وكذلك يجب أن يُدرك أن المشاركة تعني تقاسم السلطات والمسؤوليات.
          كما أن تطوير المشاركة الفعالة يتطلب الاهتمام ببعض العناصر الأساسية للعملية الديمقراطية. وتتضمن هذه العناصر إدراك الاهتمامات المختلفة، واحترام كافة المشاركين، وكذلك احترام وجهات نظر الأقليات. وعلاوة على ذلك، فإن حل الصراعات والوساطات والمفاوضات والتسويات كلها جوانب مهمة من العملية الديمقراطية. وفي وسع المدارس أن تقدم مساهمة عظيمة لتعليم الأطفال والمجتمع عندما تمارس لمبادئ الديمقراطية، حيث إن المبادئ لها تعريفاتها المختلفة وممارساتها المختلفة عبر الثقافات، كما أنها تختلف باختلاف الأسر والجماعات.
          وفي موضوع “الفرص المتنوعة” بين الباحث أن البرامج الفعالة للمشاركة بين المدرسة والأسرة والمجتمع توفر مجموعة مختلفة من الفرص الموجهة إلى الاحتياجات المختلفة للأسر وأطفالها، والموجهة إلى الظروف الخاصة لكل مدرسة أو منطقة تعليمية. وقد نقل الباحث في هذا الصدد تصنيفاً نوعياً طوره “جويس إيبشتاين” من جامعة جونز هوبكنز يوضح الملامح العامة للمشاركة، وأن هناك ستة أنواع أساسية من أنشطة المشاركة بين الأسرة والمدرسة والمجتمع يمكن إجمالها فيما يلي:

      1.  

      النوع الأول : الالتزامات الأساسية للأسرة
      تساعد المدارس الأسر على تحقيق التزاماتها الأساسية الخاصة بصحة أطفالها وسلامتهم، وتطوير المهارات الأبوية وطرق تنشئة الأطفال التي من شأنها أن تعد الأطفال للمدرسة، والتي تضمن تطور الطفل بشكل سليم في الصفوف الدراسية المختلفة. ومن الأمثلة الجيدة على مثل هذا النوع تعليم الأبوين، وبرامج الزيارة المنزلية المصممة لتزويد الأسرة بالمعلومات والدعم بشأن التعليم، والتدريب على العمل، والتعامل مع المشكلات الصحية.

      النوع الثاني : الالتزامات الأساسية للمدارس بشأن الاتصال
      المدارس مسؤولة عن الاتصال مع الأسر بشأن البرامج المدرسية، وتقدم الطلبة، ولتشجيع الاتصال بين الطرفين، أي بين المدرسة والمنزل. وتتضمن الاتصالات، الإشعارات، والاتصالات الهاتفية، والزيارات، والتقارير المدرسية، والمؤتمرات التي توفرها معظم المدارس، علاوة على سبل أكثر ابتكاراً تهدف إلى تعزيز الاتصال بين المدرسة والمنزل، مثل استخدام الإنترنت أو البريد الإلكتروني للوالدين والمعلمين. 

      النوع الثالث : المشاركة في المدرسة
      يساعد الآباء، وغيرهم من المتطوعين، المدرسين والأطفال في المدارس، ويعمل الآباء وغيرهم من أفراد الأسرة كمتطوعين ومعلمين ومرشدين أو مساعدين في الصفوف المدرسية، وفي الملعب، وفي الرحلات الميدانية أو في مكاتب المدرسة، كما أنهم يدعمون المدرسة من خلال حضور أنشطة العروض الطلابية والأنشطة المدرسية الأخرى، وقد يتحدثون في الصفوف المدرسية ويقدمون عرضاً لخبراتهم الخاصة من فنون وحرف وطبخ وغيرها.

      النوع الرابع : المشاركة في الأنشطة التعليمية في المنزل
      يطلب المعلمون من الآباء ويرشدونهم لمراقبة أطفالهم ومساعدتهم في المنزل. وتمكن المدارس الأسر من فهم الطرق الممكنة لمساعدة أطفالهم في المنزل بتقديم المعلومات حول المهارات الأكاديمية وغيرها، مع إرشادات بشأن كيفية مراقبة الواجبات المدرسية ومناقشتها والمساعدة على إنجازها، وكذلك حول طرق تعزيز المهارات اللازمة.

      النوع الخامس: المشاركة في صنع القرار وتحديد مسار العملية التعليمية وتقديم الدعم
      للآباء وغيرهم من أفراد المجتمع دور في صنع القرارات، علاوة على دورهم الاستشاري في المدرسة، ومن الأمثلة على ذلك الاتحادات الأبوية، والمجالس الاستشارية، ومجالس صنع السياسات التعليمية، والفرق الإدارية في مبنى المدرسة، واللجان الأخرى، والمنظمات المجتمعية. كما يصبح أولياء الأمور نشطاء في جماعات الدعم المستقلة الفعالة في المجتمع. وتساعد المدارس أعضاء الأسرة ليكون لهم أدوار قيادية وتمثيلية بتدريبهم على عملية صنع القرارات، وبجعل الآباء مساهمين فعالين لا شكليين في عملية صنع القرارات في المدرسة، وبتقديم المعلومات الضرورية لجماعات الدعم في المدرسة بحيث يعالجون قضايا تطوير المدرسة معالجة مستنيرة.

      النوع السادس : التعاون وتبادل المعلومات مع المنظمات المجتمعية
      تتعاون المدارس مع الهيئات والشركات والمنظمات الثقافية والمكتبية، والجماعات والمؤسسات الصحية، والجماعات الأخرى، من أجل تقاسم المسؤولية حول تعليم الطفل ونجاحه مستقبلاً. ويتضمن التعاون البرامج المدرسية التي تتيح أو تنسق خدمات الدعم والخدمات المجتمعية للطفل والأسرة على حد سواء، مثل الرعاية قبل المدرسة وبعدها، والخدمات الصحية، والأنشطة الثقافية، والمشاركة مع الشركات والمؤسسات الثقافية، كما تقدم المدرسة الخبرة وخدمات مختلفة لمؤسسات المجتمع ومنظماته.

      وقد قدم “ديفيز” بعد ذلك بعض الإرشادات العملية اللازمة لتطوير المشاركة بين المدرسة والأسرة والمجتمع، أوردها باختصار فيما يلي:

      •   المدرسة بكل مرافقها مفتوحة للآباء وتقدم لهم المساعدة في أجواء ودية.
      •   الاتصالات مع الآباء، سواء حول السياسات لمدرسية وبرامجها أو حول أطفالهم، متواصلة وواضحة من الطرفين، مع تجنب المصطلحات التربوية المتخصصة.
      •   يعامل المدرسون الآباء على أنهم مشاركون متعاونون، وليسوا مجرد متلقين في العملية التعليمية. كما تعد معرفة الآباء وخبرتهم ومواردهم ضرورية لنجاح الطفل في المدرسة.
      •   تدرك المدرسة مسؤوليتها في إقامة مشاركة مع كل الأسر التي لها أطفال في المدرسة، وليس مع الآباء الذين يسهل الوصول إليهم فحسب.
      •   يعبر مدير المدرسة وإداريوها الآخرون تعبيراً نشطاً عن فلسفة المشاركة مع الأسرة، وذلك بالقول والفعل.
      •   تشجع المدرسة الدعم التطوعي، والمساعدة المقدمة من الآباء جميعاً من خلال اقتراح خيارات تطوعية مختلفة، بما فيها ما يمكن إنجازه في المنزل وخارج ساعات العمل.
      •   تقدم المدرسة الفرصة للآباء لتلبية حاجاتهم الخاصة من المعلومات والمشورة والدعم من أقرانهم.
      •   يستعان بوجهات نظر الآباء وخبراتهم عند تطوير السياسات وحل المشكلات على مستوى المدرسة، بل ويعطي الآباء في العديد من المدارس مسؤولية مهمة في صنع القرارات.
      •   تدرك المدرسة أن أفضل طريقة لمساعدة الآباء على توفير بيئة منزلية تساعد على عملية تعلم الطفل هي إتاحة الخدمات الأساسية والمساعدة لهم.

      وقد ختم المؤلف هذا الجزء بقوله: إن تطبيق هذه المفاهيم يتطلب نشاطاً حثيثاً ومتواصلاً من قبل التربويين. ولابد من تدريب المعلمين والإداريين على الفكرة، على أن يلقوا الدعم والتوجيه اللازمين عند تجريبهم المناهج المختلفة، وأن يكافئوا على جهودهم، كما لابد من التغلب على عقود مضت من المناهج التقليدية، إذ يجب أن يرى التربويون أن خبرتهم المهنية ووضعهم سوف يتعززان، ولن يضعفا، إذا ما عملوا مع الأسر والمجتمعات بوصفهم شركاء فعليين لا عملاء سلبيين. كما يجب أن تعدل السياسات الحكومية على المستويين الوطني والمحلي لتجشيع المشاركة، وتوفير الموارد المالية اللازمة لتنفيذ برامج المشاركة الجيدة. حيث يجب أن تصبح المشاركة بين الأسرة والمدرسة والمجتمع في القرن الحادي والعشرين جزءاً لا يتجزأ من عمل المدرسة، لامجرد أنشطة جانبية أو غير ذات أهمية.

      خاتمة:
      إن الأفكار التي طرحها “دون ديفيز” في بحثه: التعليم والمجتمع: نظرة مستقبلية نحو القرن الحادي والعشرين، يمكن أن تكون مجالاً جيداً للبحث والمناقشة لتحديد ما يمكن تطبيقه وفق الظروف والمعطيات الحالية، وما يمكن التخطيط لتنفيذه وفق الظروف المستقبلية. إن المجتمعات العربية والإسلامية بخصوصيتها الدينية والاجتماعية، يمكن أن توفر فرصاً كبيرة لخدمة التعليم، والمشاركة الفاعلة في التخطيط له وتطويره. كما يمكن أن توفر أيضاً مجالات أوسع لتنفيذ الكثير من الأفكار والمشروعات التفاعلية بين الأسرة والمدرسة والمجتمع، وذلك فقط، إذا أريد للتعليم أن يكون عاملاً مؤثراً في صياغة النهضة العلمية والثقافية والاقتصادية التي يتمناها كل مجتمع، ولن يكون ذلك إلا إذا كان التعليم في قائمة أولويات التنمية والتطوير. مع دعواتي الخالصة بأن يوفق الله القائمين على التربية والتعليم في الوطن العربي، وأن يكلل جهودهم بالنجاح والتسديد، والله من وراء القصد.

      المرجع الرئيس:

      مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية. (2000م). التعليم والعالي العربي: تحديات الألفية الثالثة. (الفصل الثاني: التعليم والمجتمع: نظرة مستقبلية نحو القرن الحادي والعشرين، دون ديفيز، ص ص 63-109).
      والله الموفق

      رقم الجوار 0554258299
      البريد الالكتروني info@alnassaroffice.com
      العنوان السعودية , الرياض

      الدكتور صالح النصار

      يشرف على المكتب سعادة الأستاذ الدكتور صالح بن عبد العزيز النصار، وهو عضو هيئة التدريس في كلية التربية بجامعة الملك سعود، ولديه خبرات تزيد عن (٢٠ عاما) في مجالات تأسيس المراكز العلمية والوطنية، ورسم السياسات والخطط الاستراتيجية، وتقديم الاستشارات الإدارية والفنية لعدد من الوزارات والجهات الحكومية

      اترك تعليقاً

      لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *